من خلف الكواليس: أكبر رقصة شعبية تركية.. القصة وراء الرقم القياسي في إسطنبول
تخيّل آلاف الأشخاص يتحركون على الإيقاع نفسه، بخطوات متناسقة وحماس يملأ المكان، ليحوّلوا رقصة شعبية توارثتها الأجيال إلى إنجاز عالمي!
هذا ما حدث في إسطنبول يوم 28 يونيو 2026، عندما اجتمع 7,674 شخصاً لأداء رقصة الهورون التركية في الوقت نفسه، محققين لقب غينيس للأرقام القياسية لـأكبر رقصة شعبية تركية (Largest Turkish Folk Dance).
لكن القصة لم تبدأ يوم الاحتفال، ولم يكن الهدف مجرد جمع أكبر عدد ممكن من المشاركين. وراء هذا الإنجاز رسالة ثقافية، وثلاثة أشهر من التحضيرات، ولحظة مؤثرة لم يتمكن فيها بعض المنظمين من حبس دموعهم.
فما قصة هذه الرقصة؟ وكيف تحوّلت من تقليد شعبي إلى إنجاز عالمي؟
أولاً.. ما هي رقصة الهورون؟
إذا سبق لك زيارة منطقة البحر الأسود في تركيا، فربما شاهدت مجموعات من الأشخاص يؤدون رقصة سريعة ومليئة بالحيوية، تتناغم فيها حركة الأقدام والأكتاف مع إيقاع الموسيقى. هذه هي الهورون (Horon)، إحدى الرقصات الشعبية التقليدية المرتبطة بثقافة منطقة البحر الأسود في تركيا.
تتميز الرقصة بحركاتها الجماعية السريعة والمتناسقة، وغالباً ما يؤديها المشاركون في صفوف أو دوائر على أنغام الموسيقى الشعبية.
لكن بالنسبة لأهالي المنطقة، الهورون ليست مجرد خطوات راقصة، بل جزء من المناسبات الاجتماعية والاحتفالات والذاكرة الجماعية، وتقليد ثقافي انتقل من جيل إلى آخر.
من رقصة شعبية إلى إنجاز عالمي
بدأت الفكرة برؤية من حسين غولر (Hüseyin Güler)، رئيس الاتحاد التركي للرقصات الشعبية (Türkiye Halk Oyunları Federasyonu)، الذي أراد أن يمنح رقصة الهورون فرصة للوصول إلى جمهور عالمي، وتسليط الضوء على جذورها الثقافية ومكانتها في التراث التركي.
ولمعرفة المزيد عن القصة، تحدثنا مع الاتحاد التركي للرقصات الشعبية عن الاستعدادات والتحديات واللحظات التي جعلت هذا الإنجاز استثنائياً.
ما الذي ألهمكم لاختيار رقصة الهورون لتحقيق رقم قياسي عالمي؟
أوضح غولر أن الحفاظ على الرقصات الشعبية التركية ونقلها إلى الأجيال القادمة من أهم مسؤوليات الاتحاد.
وقال: "أردنا تسليط الضوء على الجذور الثقافية لرقصة الهورون وعلاقتها بالتراث التركي، وإيصال هذه القصة إلى العالم من خلال غينيس للأرقام القياسية."
وأضاف أن الهورون ليست مجرد رقصة شعبية، بل تقليد توارثته الأجيال، وأصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والموسيقى والذاكرة الجماعية لسكان منطقة البحر الأسود.

وأشار إلى أن التقاليد الثقافية قد تنتقل عبر الحدود وتتبناها مجتمعات مختلفة مع مرور الوقت، لكن من المهم الحفاظ على ارتباطها بجذورها التاريخية والثقافية، وضمان وصول هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.
وبالنسبة للاتحاد، كانت غينيس للأرقام القياسية فرصة لنقل هذه القصة إلى جمهور عالمي، وتحويل رقصة تقليدية إلى إنجاز يحظى باهتمام يتجاوز حدود تركيا.
5,000 مشارك كانت الخطة.. لكن المفاجأة كانت أكبر!
لم يكن تنظيم هذا الحدث مهمة بسيطة.
فمحاولة تحقيق الرقم القياسي تطلبت جمع آلاف الأشخاص في مكان واحد، والتأكد من أدائهم الرقصة في الوقت نفسه، مع الالتزام بمتطلبات غينيس للأرقام القياسية.
ورغم خبرة الاتحاد في تنظيم الفعاليات بمختلف أنحاء تركيا، كانت هذه المحاولة مختلفة تماماً.
ما أكبر التحديات التي واجهتكم خلال التحضيرات؟
قال غولر: "كانت هذه المرة الأولى التي ننظم فيها حدثاً بهذا الحجم والطبيعة. نحن نعمل في جميع المحافظات التركية الـ81، ولدينا خبرة واسعة في تنظيم الفعاليات الكبرى، لكن محاولة تحقيق لقب في غينيس للأرقام القياسية كانت تجربة جديدة بالنسبة لنا."
وأوضح أن التحضيرات استمرت نحو ثلاثة أشهر، وشملت تنسيق وسائل النقل، وتنظيم الموقع، وتوفير الطعام، وإدارة المشاركين، والتأكد من الالتزام بجميع متطلبات الرقم القياسي.
وأضاف: "كان هدفنا الأولي جمع 5,000 مشارك، لكن عندما أُعلنت النتيجة الرسمية يوم الحدث، اكتشفنا أننا لم نحقق هدفنا فحسب، بل تجاوزناه بشكل كبير، بوصول عدد المشاركين إلى 7,674 شخصاً!"
لحظة إعلان النتيجة.. عندما تحوّل التعب إلى دموع فرح
وراء كل رقم قياسي قصة، لكن بعض اللحظات تبقى محفورة في ذاكرة أصحابها أكثر من غيرها.وبالنسبة لفريق الاتحاد، كانت اللحظة الأكثر تأثيراً عندما سمعوا النتيجة النهائية بعد أشهر من الاستعدادات.
ما اللحظة التي لن تنسوها من يوم تحقيق الرقم القياسي؟
قال غولر: "عندما سمعنا الإعلان الرسمي بأننا نجحنا في تحقيق الرقم القياسي بمشاركة 7,674 شخصاً، كان شعوراً يصعب وصفه."
وأضاف: "في تلك اللحظة، أصبح لكل ما مررنا به خلال ثلاثة أشهر من العمل والضغط والتوتر والحماس معنى مختلفاً. لقد تجاوزنا هدفنا الأولي بفارق كبير، وكانت الفرحة مؤثرة لدرجة أن الدموع ظهرت في عيون الكثيرين، من المسؤولين الحكوميين إلى أعضاء فريق الاتحاد."
لكن ما جعل تلك اللحظة استثنائية بالنسبة للمنظمين لم يكن الرقم وحده.

وتابع: "لم نكن نحتفل برقم قياسي عالمي فقط، بل شعرنا بفخر كبير لأننا استطعنا تحقيق شيء مهم لثقافتنا بمشاركة آلاف الأشخاص. ستبقى تلك اللحظة من أكثر اللحظات التي لا تُنسى بالنسبة لنا."
أكثر من مجرد رقصة.. آلاف الأشخاص يجتمعون على إيقاع واحد
قد يبدو الرقم 7,674 مجرد إحصائية، لكنه يمثل آلاف الأشخاص الذين اجتمعوا من خلفيات ومدن وأعمار مختلفة ليشاركوا في هدف واحد. وهذا بالتحديد ما أراد الاتحاد إظهاره للعالم: أن الرقصات الشعبية ليست مجرد عروض تُقدَّم على المسارح أو خلال المهرجانات، بل تراث حي يستطيع جمع الناس حول ثقافة مشتركة.
بعيداً عن تحقيق الرقم القياسي، ما الرسالة التي أردتم إيصالها للعالم؟
قال: "أردنا إظهار القوة التي تتمتع بها الرقصات الشعبية في جمع الناس. عندما ترى آلاف الأشخاص من أعمار ومدن وخلفيات مختلفة يتحركون على الإيقاع نفسه، تدرك أن الرقص الشعبي يتجاوز كونه فناً استعراضياً."
وأضاف: "إنه قادر على توحيد الناس حول ثقافة مشتركة وشعور بالانتماء. ومن خلال هذا الإنجاز، أردنا إيصال رسالة مفادها أن الحفاظ على التراث الثقافي لا يعني مجرد حمايته، بل إبقاءه حياً، وإبرازه ومشاركته مع العالم."
وكيف كانت ردود الفعل بعد تحقيق الرقم القياسي؟
أشار غولر إلى أن الإنجاز حظي باهتمام واسع في الصحافة التركية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وأن مشهد آلاف الأشخاص وهم يؤدون رقصة الهورون معاً أثار اهتماماً كبيراً.
وقال: "تلقينا ردود فعل إيجابية للغاية، سواء من مجتمع الرقصات الشعبية أو من الجمهور بشكل عام."

وأضاف: "من أهم النتائج بالنسبة لنا أن الرقصات الشعبية ظهرت بصورة مختلفة. فهي ليست مجرد تقاليد نشاهدها في المهرجانات أو على خشبات المسارح، بل ثقافة حية لا تزال قادرة على تحفيز آلاف الأشخاص وجمعهم حتى اليوم."
كما ساهم الإنجاز في تعريف جمهور أوسع بعمل الاتحاد وتعزيز حضور التراث الشعبي التركي على المستوى الدولي.
هل نشاهد رقصة تركية أخرى في غينيس للأرقام القياسية قريباً؟
نجحت رقصة الهورون في الوصول إلى منصة عالمية، لكن تركيا تضم العديد من التقاليد والرقصات الشعبية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، ولكل منها موسيقاها وأزياؤها وحكاياتها. ولهذا، قد لا تكون رقصة الهورون سوى بداية رحلة أطول.
لو أتيحت لكم فرصة تحقيق رقم قياسي عالمي جديد، فما الرقصة التي ستختارونها؟
قال غولر: "تركيا غنية للغاية بتنوعها الثقافي، فلكل منطقة رقصاتها وموسيقاها وأزياؤها وتقاليدها الخاصة. والهورون ليست سوى جزء واحد من هذا التنوع الكبير."
وأضاف: "إذا قررنا محاولة تحقيق لقب آخر في غينيس للأرقام القياسية، فسنرغب في اختيار رقصة شعبية من منطقة تركية أخرى، ومنحها فرصة للوصول إلى جمهور عالمي."
وأكد أن طموح الاتحاد لا يقتصر على زيادة عدد الأرقام القياسية، بل يمتد إلى الاستفادة من الانتشار العالمي لغينيس للأرقام القياسية للتعريف بمختلف جوانب الثقافة التركية والمساهمة في نقلها إلى الأجيال القادمة.
واختتم حديثه قائلاً: "نأمل أن تكون الخطوة التي اتخذناها مع الهورون بداية رحلة تسلط الضوء على رقصات شعبية أخرى من مختلف مناطق تركيا خلال السنوات المقبلة.
رقصة واحدة.. وآلاف القصص
في النهاية، قد يُختصر هذا الإنجاز في رقم واحد: 7,674 مشاركاً.
لكن خلف هذا الرقم آلاف الأشخاص، وثلاثة أشهر من التحضيرات، وتراث ثقافي امتد عبر أجيال.
ومن إسطنبول، نجحت رقصة الهورون في الوصول إلى جمهور عالمي، لتثبت أن بعض التقاليد لا تحتاج إلى كلمات كثيرة للتعريف بها. أحياناً، يكفي أن يجتمع الآلاف على إيقاع واحد لتصل الحكاية إلى العالم.
كن أنت صاحب الرقم القياسي القادم